March 25 2018

تبّا لكم، اتركوها ترحل بسلام

لن أدّعي أنّي من متابعي ريم بنّا منذ بداياتها، فقد تعرّفت عليها منذ بضع سنوات فقط وبمحض الصدفة، عندما قامت إحدى صديقاتي على الفيسبوك بمشاركة أغنية لها، وعلى الفور أُعجبت بهذه الفنانة، أعجبت بصوتها وأدائها وشغفها الواضح في كل أغنية تغنيها.
بدأت أقرأ عنها وأبحث عن أخبارها، وكلّما تعرّفت عليها أكثر، زاد إعجابي بها أكثر فأكثر، فانضممت لمتابعيها وسرعان ما تحوّل إعجابي بها كفنانة ملتزمة إلى انبهار بها كامرأة صاحبة قضية، وكشخصية  قوية ثائرة عنيدة وصرت أنتظر بفارغ الصبر ما ستكتبه كل يوم.
بعد فترة وجيزة ذهلت عندما رأيت صورها وهي حليقة الرأس تملأ شبكات التواصل الاجتماعي، فعرفت أنّ هذه الريم البريئة الجميلة التي لا تغيب الابتسامة عن وجهها، تخوض حربا ضروس مع أشرس الأمراض، مرض السرطان.
ومع أنّ السرطان منعها من الغناء لفترة، فهو لم يمنعها من الاستمرار في العطاء، فأبت أن تكون فريسة ضعيفة للمرض وآثرت أن تكون مصدر إلهام وأمل لآلاف المرضى، واستمرّت في مسيرتها كناشطة في حقوق الإنسان وحقوق المرأة، واستمرت في نضالها لشعب فلسطين، حاملة رسالة وطنها وقضيته في كل عمل تعمله وفي كل كلمة تكتبها أو صورة تنشرها.

مع كل أسف، كانت رحلتها في هذه الدنيا قصيرة، لكنها في هذه الرحلة القصيرة أنجزت الكثير، وحققت العديد من الانتصارات على العديد من المستويات وفي العديد من المجالات.
ومع كل هذا ومع أنّها عانت الكثير في حياتها، فلم يرحمها أشباه البشر بعد رحيلها، ولست أصدّق لهذه اللحظة ما يتجرّأ العديد على كتابته عن هكذا شخصية، لا أدري هل هو جهل أو غيرة، حمق أو لؤم، غباء أم شر، ما أعلمه أنّها ناضلت على طريقتها، فحاربت الاستعمار بصوتها، ونشرت الوعي بالقضية الفلسطينية على نطاق عالمي بموسيقاها، وزرعت الأمل في نفس كل مريض ومريضة بكلماتها الصادقة المؤثرة، فماذا فعلتم أنتم؟ ما هي إنجازاتكم؟ كيف حاربتم الاستعمار؟ بغيبتكم ونميمتكم على شبكات التواصل الاجتماعي؟ أم بسمومكم التي تبثوها بين أبناء شعوبكم وكرهكم الذي تغذوه في كل كلمة تنشروها؟
من أنتم لتحللوا وتحرّموا رحمة الله على عباده؟ من أنتم لتقيّموا حياة إنسانة فريدة من نوعها مثل ريم بنّا؟
إن لم يعجبكم تغريدها، فعل تعتقدون أنّ جعيركم يعجبنا؟ إن كان أسلوب نضالها لا يوافق ذوقكم، فلتناضلوا كما يحلوا لكم يا جبناء بدل الاختباء وراء شاشاتكم، ولكن اعلموا أنّ حبّها للحياة وتفاؤلها أقوى من خبثكم وترويجكم للكره والموت، وأنّ نضالها الذي تنتقدوه جعلها رمزا جميلا لفلسطين رغم أنوفكم التي تدسّوها فيما لا يعنيكم، وأنّها يكفيها شرفا أنّ رسالتها كانت نشر الحب والسلام  حتى وهي تواجه الموت، أمّا أنتم، فأنتم وأمراضكم النفسية  وحقدكم هو السرطان نفسه.

بين احتلال ظالم ومرض لا يرحم، لم تنعم ريم بنّا بالسلام يوما في حياتها، فاتركوها ترحل بسلام.
ريم، سنشتاق لفنجان القهوة الذي كنت تشاركينا إياه من شرفتك في فلسطين، سنشتاق للورود التي كنتي تنشري عبيرها في صور بسيطة التقطتها لترسمي البسمة على وجوهنا، سنشتاق لابتسامتك، لوجهك، لصوتك، لروحك الحرّة الجميلة الثائرة… ريم بنّا،  لروحك السلام!

ريم بنا

شُيعت الفنانة الفلسطينية ريم بنا بالعلم الفلسطيني في مدينة الناصرة في فلسطين المحتلة. ريم قاومت سرطان الاحتلال لبلدها واحتلال السرطان لجسدها#ريم_بناRim Banna

Posted by ‎عربي +AJ‎ on Saturday, March 24, 2018

January 3 2018

“يوم لك ويوم عليك”

وأخيراً انتهت سنة 2017 ، أسوأ سنوات حياتي على الإطلاق.

سنة كانت أشبه بكابوس، جعلتني أعيد التفكير في كل جوانب حياتي. فيها تعلّمت المعنى الحقيقي للإرادة والإصرار، فيها عرفت معادن الناس من حولي (للأسف أغلبها طلع مصدّي).
علّمتني 2017 أن العديد من الناس التي كنت أعتقد أنها متفتّحة و خلوقة هي أبعد ما تكون عن ذلك، وأن كل ما تحتاجه هو إختلاف صغير في الرأي، إنتقاد بسيط، لترى الناس على حقيقتها، ولتكتشف أن الاختلاف في الرأي يفسد للود ألف قضية.
سنة قررت فيها أن أعيد ترتيب أولوياتي، وأن لا أضيع وقتي ومجهودي على أناس لا تستحق، همّها الوحيد الاستغلال. قرّرت أن لا أكترث لأي شيء، تعبت من زيف الناس، تعبت من لعبة التظاهر التي باتت هي سبر العلاقات.

أعرف العديد من الناس الذين مرّوا بظروف أصعب بكثير من ظروفي في السنة الفائتة، أشخاص تعبوا وعملوا بكل إجتهاد، ولكن لم يحالفهم الحظ في تحقيق الحد الأدنى مما يطمحون إليه، يرون غيرهم يصل لكل ما يريد، إما بإستحقاق أو بدون أي تعب، فتثبط عزيمتهم ويشعرون باليأس و الإحباط، ولكن علينا جميعاً أن نتّفق أن سنوات حياتنا متقلّبة، منها الجميل ومنها السيئ، وأنّ معادلة السعادة  التي كنّا _ولازلنا_ نتلقّنها ليست دقيقة ولا واقعية 100% .
فلطالما ردّدنا أنّ “من جدّ وجد”، وأنّ “من طلب العلا سهر الليالي”…حتى بيت الشعر الشهير :”ما كل ما يتمنى المرء يدركه ..تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ” صار في نظر الناس اليوم سلبياً مرادفاً للانهزام والتّهاون، مع  أنه أكثر ما تعلّمنا واقعية، فهو لا يدعو للانهزام كما يعتقد الكثير، بل يدعو للرضا وتقبّل الواقع، أهم بندين لمواجهة العقبات وتخطّيها، وبدأ الناس يتسابقون في نشر الأبيات التالية كبديل:
” تجري الرياح كما تجري سفينتنا ..
نحن الرياح و نحن البحر و السفن ُ
إن الذي يرتجي شيئاً بهمّتهِ ..
يلقاهُ لو حاربَتْهُ الانسُ والجنُ ..
ُّفاقصد الى قمم الاشياءِ تدركها
تجري الرياح كما رادت لها السفنُ”

التي لا أتفق معها شخصياً، مع أنني أحب الهدف منها: تشجيع الناس وإقناعهم أنهم الوحيدون الذين يصنعون واقعهم، ولكنه كلام غير دقيق، ومحبط لكل من يعمل ويجد دون أن يلقى أي نتيجه، والسبب أن هذه الأبيات تلغي إرادة الله، لا مكان فيها للحظ والتوفيق ولا إعتبار لما ليس للإنسان أي سيطرة عليه.
التركيز كان ولايزال على الجهد الذي نبذله وعلى ثقتنا بنفسنا وقدراتنا، ولا يمكن التقليل من أهمية هذه الأشياء، ولكن هناك العديد من الأمور التي هي خارج نطاق سيطرتنا، أمور تقلب موازين حياتنا وتزلزل كياننا: المرض والموت، الحروب والكوارث الطبيعية، غدر الناس…

 لا تكتمل معادلة السعادة  بالعمل وحده، ولا بالثقة بالنفس وحدها، ولا بالحظ وحده، بل تحتاج لهم كلّهم لتكتمل، تحتاج للتفاؤل والإيجابية، تحتاج للثقة بالله قبل الثقة بالنفس، تحتاج لتقبّل الواقع ومعاندته في آن واحد، تحتاج لأن نتطلع لغد أفضل وأيام أجمل وسنوات أحلى.
فلا تلقوا باللوم على أنفسكم إن قمتم بالمستحيل ولم تنجحوا، لا تحزنوا و لا تيأسوا من مخطّطات لم تكتمل أو قرارات لم تنفّذ، واصلوا العمل بجدّ وتفاءلوا، و كونوا على يقين، أنّ عدم تحقيق ما نطمح إليه ليس هزيمة، بل عثرة مؤقتة، تقوّينا وتشجّعنا على المثابرة.

مع كل الصفعات التي تلقيتها في 2017، لازلت شاكرة ممتنّة لكل ما وهبني الله، لا زلت أرى وأقدّر النّعم العديدة التي أنعم بها علي، وبدل أن أنكسر أصبحت أكثر عناداً وأشد إصراراً على الوقوف بشموخ، أقوى وأثبت من كل السنين التي مرّت.

أتمنى لكم جميعاً سنة أسعد وأحلى وأجمل من التي سبقتها، وأن يمنّ الله عليكم بحياة مديدة ملؤها الخير والصحة وسعة الرزق والحظ الوفير و الأصدقاء الأوفياء … سنة سلام وحرّيّة وعدل.
ورغم كل شيء تفاءلوا، تفاءلوا بالخير، تجدوه بإذن الله.

May 14 2017

“وبالوالدين إحساناً”

قبل بضعة أيام شارك أخ عزيز فيديو مؤثر جداً  على صفحة الفيسبوك  الخاصة به، وهو عن إمرأة أجنبية تخلت عن حياتها لتتفرغ لرعاية أمها المسنة، ومهما كتبت، لن أستطيع أن أفي هذه المرأة حقها ولن أستطيع أن أصف ما شعرت به وأنا أشاهد الفيديو لأنه أرجعني إلى ليلة حزينة، ولكن قبل أن أقص عليكم حكاية هذه الليلة، أود أن تشاهدوا الفيديو أولاً:

"I have given up my life to care for my mum" – A daughter's moving story about looking after her mother.(via Victoria Derbyshire)

Posted by BBC Family & Education News on Saturday, April 29, 2017

كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وكان المستشفى هادئاً جداً، لا تسمع فيه إلا وقع خطوات الممرضات والأطباء المناوبين. كانت أمي نائمة بعد أن أخذت كماً هائلاً من الأدوية، كنت أقرأ كتاباً وأشرب القهوة لتساعدني على السهر، وفي كل هذا الهدوء لم أسمع سوى أنين المريضة التي تشارك أمي الغرفة. أنين متواصل، دون توقف، ثم شخير، يليه أنين، ثم شخير. ساد بعدها الهدوء وبدأت أشعر بالنعاس، وإذ بالمرأة فجأةً تصرخ: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله”…  كانت اللكنة أبعد ما تكون عن العربية، وكان صوت المرأة المرتعش الخائف المستنجد هو ما دفعني لرفع الستار بيني وبينها في تلك الليلة. كل مافكرت فيه عندها أنها تنازع، تموت، وأن من القسوة والظلم أن لا تجد إنساناً واحداً يشاركها آخر لحظات حياتها. فما كان مني إلا أن ضغطت على زر الطوارئ ووقفت إلى جانبها وأمسكت يديها المتعرقتين، كانت تهذي من إرتفاع درجة الحرارة، ولا أعرف ماذا حصل ولكنها توقفت عن الأنين والارتجاف للحظة وبدأت تتأمل وجهي ثم رتبت على شعري، وابتسمت، فعلمت أنها ظنت أني شخص تعرفه، وتأكد شكي عندما بدأت تكلمني بلغتها التي لا أفهم منها شيئاً.
وهي تكلمني كنت أنا أتأمل تجاعيد وجهها، عينيها الزرقاوين الواسعتين، خصلات هربت من تحت منديل يغطي شعرها الأبيض المجعد الطويل… كم أنت جميلة أيتها العجوز!
جاءت الممرضات وسيطروا على وضعها. سألت إحداهم عنها فقالوا لي أن ليس لها أحد و أنها ككثير غيرها جاءت برفقة أحد أفراد عائلتها لإدخالها للمستشفى و بعدها لم يسأل عنها أحد. يتصل بهم المستشفى ولا يجاوبوا و كأنهم إختفوا عن وجه الأرض. شرحت لي أن العديد يلجأ لهذه الطريقة للتخلص من ذويهم بأقل خسائر مادية، بدل تكلفة دار المسنين.
أحسست بقلبي ينفطر، هذه العجوز المسكينة تنام وتقوم في نفس الركن لمدة أشهر، وهي في آخر أيامها، ستموت دون أن تتذوق أكلة تشتهيها، ستموت دون أن تسمع لغتها، دون أن ترى عائلتها، ستموت وحيدة. ما أقسى هذه الحياة.

المستشفى لا يسمح بمشاركة معلومات المرضى، فأخذت بطاقة كانت موجودة على طبق غذائها، وعرفت اسمها، وأنها تبلغ من العمر 93 عاماً وعرفت لغتها. فبحثت عن ممرضة تحكي لغتها وترجمتلي ما قالت السيدة خديجة، وأنها باتت عبء على عائلتها الذين استغلوا مرضها يوماً ليدخلوها إلى المستشفى ويتركوها فيه إلى أن تموت. سألت إذا كان بإمكاني الاتصال بهم أو بعنوانهم فأخبرتني أنهم غيروا مكان سكنهم وكل أرقام هواتفهم. سألت إذا كانت تشتهي شيئاً فحضنتني وطبعت قبلةً على وجهي  وطلبت شاياً بالحليب والتوابل. فجلبت لها ما طلبت. وحاولت الاعتناء بها قدر المستطاع ولكن كان قلبي لا يحتمل دموعها وأنينها ووحدتها. كم تمنيت أن أعثر على عائلتها وأبرحهم ضرباً، فرداً فرداً، كم تمنيت لو أني أعرف لغتها، لو كنت ممرضة…

دوماً أفكر بمن يستغلوا آباءهم في الغربة ليقبضوا ضرائب من الحكومة تعينهم على الاعتناء بذويهم، ولكنهم يصرفوها على منفعة أنفسهم ويهملوا أهاليهم شر إهمال. كم من عربي ومسلم يرمي أهله بهذه الطريقة، ولو كانت هناك عوائق مادية أو كان المسن بحاجة لرعاية على مدار الساعة، فهل يعني هذا أن لا يتسع الوقت لزيارتهم حتى؟ كيف يسمح لنا ضميرنا برمي من اعتنوا بنا حتى كبرنا ووقفنا على قدمينا؟ كيف نستطيع أن نتنازع من منا الأنسب لرعاية أهلنا لنتهرب من المسؤولية؟ كيف نستطيع خلق آلاف المبررات لرميهم براحة ضمير عجيبة؟

الأبناء إما ملائكة رحمة أو وحوش كاسرة . أتمنى أن نرجع لعاداتنا الجميلة وأن نخاف الله في تعاملنا مع المسنين، فيوماً ما سنكون نحن مكانهم  وكما تدين تدان!

April 21 2017

الإحتياجات الخاصة هنا وهناك

في أواخر  عام 2016  فرضت كندا على كل المترجمين الفوريين تلقي دورة تدريبية عن كيفية التعامل مع ذوي الإحتياجات الخاصة من كافة الأعمار.

عرفتني الدورة على حالات طبية ونفسية لم أسمع عنها من قبل، ولفتت انتباهي لأمور لم أكن أعلم أنها قد تجرح مشاعر أي شخص. تعلمت كيف أن أؤدي دوري كمترجمة دون أن أحرج أحد، ودون أن أشعر أي شخص بأي نقص. علمتني بأي نبرة صوت أتكلم، لمن أوجه كلامي، أين أقف، لمن أنظر، كيف تكون ملامح وجهي وردود أفعالي في كل حالة.

ولم تقف الدورة هنا، بل علمتنا كيف نتعامل مع الكلاب العاملة، نعم؛ كيف أتعامل مع كلب شرطي، أو كلب مرافق للمكفوفين، أو كلب مرافق لشخص مريض بمرض عضال أو يعاني من نوبات صرع، أو كلب مرافق لطفل متوحد، أو كلب محكمة يرافق الأطفال المعتدى عليهم لتهدئتهم عند الإدلاء بشهادتهم. علمونا كيف أن لا نشتت إنتباه الكلب خلال تأديته لوظيفته، وأن لا نداعبه أو نبتسم له أو حتى ننظر له ليتمكن من إنجاز عمله على أكمل وجه وأن لا يشعر بتدخل في شؤونه.

هذا كله لتهيئتنا لقانون جديد سيتم تطبيقه في البلاد عام 2025 ، تم تعديله ليشمل كل حالات ذوي الإحتياجات الخاصة المعروفة اليوم والتي لم تكن مذكورة من قبل في القانون القديم.

وكل ما فكرت فيه في أسبوع التدريب هذا هو أنين إبن الجيران الذي كنت أسمعه كل يوم؛ صراخ ممزوج ببكاء وهو مقيد بحبل حتى لايغادر كرسيه المتحرك. نفس الزاوية، في نفس المكان، صبح مساء، ينظر للحائط نفسه، لا يكلمه أحد، ولا يلاعبه أحد، كم مهمل، وكأنه لا شيء… إلى أن مات. عاش حياته عبء على كل من حوله، حتى على نفسه.

فكرت فيه وفي الآلاف ممن هم في وضعه، حالات تعتبرها مجتمعاتنا مستعصية ولا أمل منها، حالات لا يمكن أن تعيش حياة كريمة إلا إن تلقت العائلة مساعدة متخصصة، وكلنا نعلم كم هي مكلفة.

هذا الشاب الأسير الذي كنت أرى خياله كل يوم  من نافذة غرفتي كان من الممكن أن يغني بدل أن يبكي، أو أن يذهب أحد أفراد عائلته معه في نزهة قصيرة على كرسيه المتحرك، كان من الممكن أن يتعلم ويقرأ، أو  أن يتكلم، أن يعمل، أن يتعلم كيف يعتني بنفسه، أن يستمع للراديو، أن يشاهد التلفاز… أن أن أن أن .

كم أتمنى أن تتغير الأحوال في بلادنا وأن تسن قوانين تحمي حقوق ذوي الإحتياجات الخاصة وتدعم أسرهم وتعينها على أن تخلق منهم أعضاء فعالة في المجتمع بدل من أن تشعرهم بأنهم عبء وابتلاء ليس إلا.

December 17 2016

اليوم العالمي للغة العربية: معضلة تعليم العربية لأبنائنا في الغرب

بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، قرّرت أن أشارككم تجربتي الخاصة وتوجّهاتي، علّ فيها إفادة لمن هم في نفس وضعي.
أنا  فخورة بعروبتي، أتجنب استخدام اللغات الأجنبية قدر المستطاع عند مخاطبة غيري من العرب، وأبذل كل ما بوسعي لأعلّم ولديّ لغتنا الجميلة، البليغة، التي هي باعتقادي أجمل اللغات وأكثرها تعبيرا على الإطلاق. وأنا لا أطمح إلى أن يتقن ولداي لغتنا فقط، بل طموحي هو أن يغرموا بها ويعشقوها، لأنني على ثقة بأنّ حب اللغة هو المحرك الأوّل والأساسي لحب استخدامها، والسعي لاستخدامها هو ما سيؤدي إلى خلق الرغبة في إتقانها.
ولكن لن أكذب وأدّعي أنّني ناجحة في هذه المهمّة، ليس حاليّا على الأقل، فإبني الأكبر يبلغ من العمر عشر سنوات، يتكلم العربية بشكل ضعيف، لا يتقن القواعد واللفظ كما يجب. أمأّ الصغير، فيبلغ العامين، ولايزال طريقه طويل 🙂
ابني الأكبر ولد في بلد عربي، وعندما بلغ حوالي الثلاث سنوات كان قد بدأ في تكلم العربية بشكل بسيط، انتقلنا عندها للعيش في بلد عربي لاتتوفر فيه للمقيمين إلا المدارس الخاصة، التي يعتمد أغلبها على اللغة الإنجليزية بشكل أساسي. كان كل أصحابه، حتى العرب منهم، يتحدثون بالإنجليزية، وسرعان ما بدأ يرفض اللغة العربية، حتى وإن كلّمته بالعربية أجابني بالإنجليزية. بدأ بتفضيل برامج التلفاز والكتب الإنجليزية، ورغم إصراري على القراءة العربية والبرامج والإذاعة العربية، لم يساعدني المحيط، فكان الكل يستسهل الإنجليزية.
عندما انتقلنا إلى كندا كان يبلغ الأربع سنوات، ودون أن أحس، أصبحت لغته الأولى هي الإنجليزية.
وهنا أودّ أن أوضح معلومة هامة وأساسية، لمن لا يعرفها: هناك فرق بين اللغة الأم للطفل، ولغته الأولى. اللغة الأم هي اللغة الموروثة من الأبوين، ولكن اللغة الأولى هي اللغة التي يتقنها الطفل في كل المجالات، وهي اللغة التي يفضل استخدامها ويرتاح في التعبير بها. عادة تكون اللغة الأم هي اللغة الأولى، ولكن في الكثير من الحالات نجد أن اللغة الأولى المكتسبة من المجتمع وثقافة البلد التي يعيش فيها الطفل طغت على اللغة الأم، لصعوبة الأخيرة أو لعدم توفر المصادر التعليمية أو البيئة التي تُمارَس فيها اللغة الأم.
مع كل أسف، المصادر التعليمية العربية إمّا مملة، أو معقّدة، أو لا تتماشى مع توجهات الأطفال في هذا العصر. وباتت عملية تعليم لغتنا عملية صعبة ومُحبطة. ومع أنني غير راضية عن عربية ابني الحالية، ولكن مستواه بالمقارنة مع غيره من أبناء الجالية يعد  جيدا جدا. ولن أكلّ ولن أمل حتى يتحدثها بطلاقة إن شاء الله.
ينعتني ابني الأكبر بمهووسة العربية، وبدأ من شدة إصراري، وليس من ضغطي عليه، بدأ بإعطاء العربية فرصة أخرى، وأنا متفائلة بأنه سيغرم بها عاجلا، وإليكم :اقتراحاتي  ونصائحي

كيف أعلّم أبنائي العربية في بلد غير عربي؟
التعليم المنزلي، من خلال كتب تعليمية تعتمد المناهج المُدَرّسَة في الدول العربية، أو تلك المعتمدة في الدول الأجنبية والمُخصّصة لأبناء الجالية العربية في المهجر أو لغير الناطقين بالعربية كلغة أولى، وأنا شخصيا أفضل الأخيرة لسلاستها ولأنها تأخذ بعين الاعتبارالعقبات والعوامل المؤثرة في تعليم اللغة في الخارج. هناك أيضا عديد من التطبيقات  والبرامج التي يمكن للأهل الاشتراك بها واستخدامها على الحاسوب، الهاتف الذكي أو غيرها من الإلكترونيات

التعليم في المدارس العربية الخاصة، إن وُجدت. في كندا توجد هذه المدارس وتوفّر إما دواما كاملا خلال أيام السبوع، ولكن أقساطها غالية، وتوجد المدارس الخاصة التي تقدم دروسا في أحد أيام نهاية الأسبوع لبضع ساعات، وتكون أقساطها أرخص بكثير من الأولى.  المشكلة الوحيدة في المدارس  هي أنّ المدرسين العرب لا يزالوا يدرّسون بنفس عقلية البلاد العربية: الحفظ، ويركّزون عليه أكثر من الفهم، ويتبعون أساليب الضغط والعقاب مما يؤدي إلى نتيجة عكسية في العديد من الحالات. وبالتالي “إنت وحظك”، إما أن تحظى بمدرّس يعرف كيف يستقطب الطلاب بأسلوب يحاكي أساليب التعليم في مدارسهم الحكومية الأجنبية، وإما أن يفرض اللغة فرضا بأسلوب عنيف وينفّر الطلاب ويُفقدهم الرغبة في التعليم.

التعليم من خلال حصص نهاية الأسبوع التابعة للحكومة الكندية، وهذه هي أرخص الخيارات، حيث يدفع الأهل مبلغ رمزي لا يتعدى ال 35 دولارا كنديا للسنة الدراسية، ولكن عيبه أنّه لا يتبع منهجا معينا ويجمع أكثر من مستوى لغوي في نفس الفصل، وبالتالي يعد ضعيفا نوعا ما بالمقارنة مع المدارس التي سبق وذكرتها.

التعليم من خلال الجوامع، والعديد من الجوامع تقدّم دروسا في اللغة العربية لغير المسلمين، ويكون المبلغ أيضا رمزيا.

التعليم عن طريق دروس خصوصية، وتكون هذه عادة الأكثر نفعا، لقلة عدد التلاميذ في المجموعة، وإمكانية ترتيب دروس خاصة للطفل وحده. ولكن عادة تكون هذه الدروس مكلفة بعض الشيء. على الأهل اختيار المعلم(ة) المناسب(ة):  توفّر الخبرة، والراحة في التعامل.

التعليم عن طريق معاهد لغوية خاصة، وقد تكون هذه المعاهد مكلفة أيضا ولكنها تعد من الخيارات الممتازة، على أن يختار الأهل المعهد بعد تدقيق في طريقة التعليم والمناهج المتّبعة.

كيف أزرع حب اللغة العربية في أبنائي؟
القراءة ثم القراءة ثم القراءة. وإن كنت تقطن في كندا أو حتى أمريكا، فأنا أنصح بشراء الكتب والقصص العربية من لغتي.كوم، أنا شخصيا تعاملت معهم وكانت تجربتي رائعة. لديهم تشكيلة رائعة بحسب عمر الطفل والموضوع المطروح. الأسعار مقبولة والتوصيل سريع دون أية مشاكل.
كما يمكنكم استعارة الكتب العربية من المكتبات العامة، نعم، فالعديد من العرب يتبرعون بكتبهم القديمة ليستفيد منها الغير، خصوصا العرب الذين كبر أبناؤهم، أو الذين قرروا مغادرة كندا. ستدهشون من كمية الكتب القيمة المتوفرة للاستعارة، ولكن طبعا يعتمد الموضوع على المقاطعة التي تسكنها وكمية الجالية العربية هناك.

كيف أنمّي لغتهم وأطوّرها؟
بالممارسة. وهنا تكمن المشكلة الأساسية. فالممارسة تكون عادة في المنزل، ولكن ما لاحظته هو أنّ الأبوين يختلفان في المهجر في تصنيفهم للأولويات اللغوية، وغالبا ما نجد أحد الأبوين غير مهتم بالعربية نهائيا، ومن هنا تبدأ معاناة الطرف الآخر. لذا، لبيئة تعليمية مثالية، على الأبوين أن يتفقا، وإن كان هناك أكثر من طفل فعلى الكبار مساعدة الآباء في تلقين اللغة للصغار. ولكن مع الأسف اغلب بيوتنا العربية تعاني من الاختلاف في الرأي، ويجد أحد الأبوين نفسه عاجزا عن “ترويض” أفراد الأسرة الآخرين، وهنا أودّ أن أؤكد على عدم الاستسلام ومواجهة الصعوبات والتحديات. ستأخذ العملية وقتا مضاعفا ولكنك ستنجح في النهاية، فتابع وثابر ولا تمل.

الممارسة تتضمن أيضا التلفاز والإذاعة وأقراص الأغاني المخصصة للأطفال، وأنا شخصيا لجأت لسناء المعشّر، وأعتقد أن جميع الأطفال سيعجبوا بأغانيها وسلاسة كلماتها.
إذا كانت هناك إمكانية التعرف على أصدقاء عرب، فهذا سيتيح لأبنائكم فرصة ممارسة اللغة. كما أنّ الطفل الذي يمضي وقتا في صغره عند فرد من أفراد العائلة بدلا من دور الحضانة ورياض الأطفال، يتعلّم العربية بشكل أفضل ويتمكن منها قبل الذهاب إلى المدرسة وعندها تسهل عملية الحفاظ على لغته التي اكتسبها من العائلة ولا يُخشى عليه من التحول إلى الإنجليزية قلبا وقالبا.

في النهاية، أود أن أشدد على أهمية ترغيب الأطفال باللغة وتعليمهم بصبر وبطريقة ممتعة من دون ضغط. وأشدد أيضا على أهمية المتابعة والاستمرارية وعدم الاستسلام مهما كانت الظروف. فلا تفقدوا الأمل.
صحيح أنّ التعليم في الصغر هو الأنجع، ولكن ليس هناك شيء اسمه متأخر، لكل عائلة ظرفها الخاص، ولكل طفل إمكانياته، لا تقارنوا واعملوا بجد، إن لم يتعلم ابنكم العربية في صغره، بإمكانه تعلمها في وقت لاحق، المهم لا تستسلموا يا أهالي العرب. 🙂

December 17 2016

اليوم العالمي للّغة العربية: العرب في الغرب بين مؤيّد ومُعارض

واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الجالية العربية في الغرب هي المحافظة على اللغة العربية كجزء لا يتجزأ من هويتهم.  فنرى العديد من أبناء الجالية العربية، وليس الأغلبية على كل حال،  يتشبثون بلغتهم، باذلين كل ما يملكون من وقت ومال ومعرفة في توريث هذه اللغة لأبنائهم، طارقين كل الأبواب المتاحة ليضمنوا إتقان أبنائهم للعربية قراءة وكتابة ومخاطبة.

في نفس الوقت، نرى عددا لا بأس به من العرب ممّن لا يهمّه إن كان أبناؤهم يتقنون العربية أو يستخدمونها بشكل يومي أو حتى جزئي في المنزل، كل ما يهمهم أن يكون باستطاعة أبنائهم أن “يفكّوا” الخط، على حد تعبيرهم، وأن “يُسلّكوا حالهم” عند مخاطبة العائلة على ال”تشات” أو على الهاتف، أو عند زيارة بلادهم خلال العطلة الصيفية. وغالبا ما يحادثك هؤلاء بلغة البلد التي يقطنوها، وقد يتخلل حوارهم بعض الكلمات العربية العامية، لأنهم يؤمنون بأن اللغة العربية هي شيء ثانوي، متأخّر ولا يعكس تفتّح أو ثقافة المتحدث. لذا حتى وإن حاولت أن تدير دفّة الحديث إلى العربية، يزداد تصميمهم أكثر فأكثر على اللغة الأجنبية، التي يصاحبها عادة نظرات ازدرائية لك ولعربيتك “المتحجرة”. وغالبا ما يصل الحوار إلى نقطة ميؤوس منها يتطلّب من أحد الطرفين أن ينهي هذا الحوار الغير متكافئ، وحبّذا أن يكون المبادر أنت، عربي اللسان حفاظا على ماء وجهك.

أمّا الفريق الثالث من العرب ، فهو متنصّل من كل ما يخص هويته وثقافته العربية، يمقت أصله، يكره لسانه، ويسعى بشتى الطرق إلى مسح ماضيه ومعالمه وخلق هوية جديدة لاتعترف بالعروبة لا من قريب ولا من بعيد. وهذه الفئة من الناس تصل إلى حد تغيير اسمها العربي وتبني إسم أجنبي “كول” يتماشى مع الهوية الجديدة، وتختار للأبناء أسماءا بعيدة كل البعد عن العربية. وإن كان الأبناء حضروا للغرب وهم يتكلّمون العربية، تلقاهم ينهرونهم عن استخدام لغتهم الأم، وكأنّها عيب، أو علامة تدل على التخلف والإرهاب والبربرية.  وعادة ما يتجنّب هؤلاء مخالطة الجالية العربية، ويكفي أن يشكّوا أنك عربي من ملامحك ليتجاهلوك ويقطعوا أي طريق قد تؤدي إلى حوار مشترك.

لغتنا، مع كل أسف، باتت مقترنة بالإرهاب، وصارت ذريعة للعنصريّين لإذلالنا واتّهامنا، ومن هنا ، أصبح العديد من العرب يتخوّفون من استخدامها في الغرب تجنبا للمشاكل والتعقيدات، ولكن هذا ليس مبرّرا، فعلى العكس تماما، إذا أردنا محاربة العنصرية علينا الدفاع عن براءة لغتنا من التهم المنسوبة إليها، ولا أقوى دفاع من الممارسة والانتشار. فبدلا من أن توبّخوا أبناءكم وتنهروهم عند استخدامهم للعربية، أنظروا إلى غير العرب الذين أُغرموا بلغتنا وأتقنوها أكثر منا. تعلموها وهم كبار، أحبوها وصار منهم من يقرأ لمحمود درويش وأحمد شوقي ونزار قباني، ومنهم من تخصص في الأدب العربي المعاصروصار يدرّسه، نعم، تخيّلوا؟ هذا في الوقت الذي ينفّر العرب أبناءهم من لغتنا وموروثاتها الأدبية والأعمال التي لن يرى أحد مثيلا لها في البلاغة والفصاحة.

Category: Arab Societies, Canada, Media, International, Posts in Arabic | Comments Off on اليوم العالمي للّغة العربية: العرب في الغرب بين مؤيّد ومُعارض
November 18 2016

الشكاوي بين الشرق والغرب

 قبل بضعة أشهر وصلتني رسالة بريدية من وزارة الصحة الكندية، تبيّن لي فيما بعد أنّها عبارة عن معلومات توجيهية هدفها توعية الأهالي بمراحل النمووالتطوّر العضوي والذهني والإدراكي الطبيعي لدى أطفالهم والمتوقّعة في كل مرحلة عمرية بالإضافة إلى العلامات الفارقة التي قد تشير إلى مشاكل في أي من هذه الفئات .  في داخل الظرف كانت هناك أيضا دراسة ومسح: أسئلة عديدة على الأهالي الإجابة عنها للتأكد من أنّ الأطفال هم في الاتجاه الصحيح والمتوقع لهم حسب عمرهم. بالإضافة إلى كل هذا كانت هناك بعض الكتيّبات المُرفَقَة والتي تساعد الأهالي في تحديد ما إذا كان الطفل مستعدا للدوام في دور رعاية الأطفال والحضانة، وعناوين المواقع المتوفرة في الأحياء السكنية القريبة، ومعلومات حول أوقات الدوام المطروحة وحول دَور الحكومة في مساعدة العائلات التي يعمل فيها كلا الأبوين. وفي آخر ورقة كانت هناك مجموعة من أرقام الهواتف وعناوين البريد الإلكتروني والعناوين البريدية التي  يمكن للآباء والأمهات الاتصال بأي منها في حال وجود أية استفسارات أو تعليقات على الأوراق المُرفقة.

كانت لدي بعض الاستفسارات، فتواصلت مع الجهات المعنية. وبعد فترة من الانتظار تواصلَت معي إحدى الموظّفات، وحددت معي موعدا  للتحدث في الموضوع. وبالفعل قابلتها البارحة، وأعطتني الكثير من وقتها، وأجابت عن كل تساؤلاتي، وشرحت لي كل شيء وكانت صبورة ولبِقة وسلسة في التعامل لدرجة أحسست فيها أنّها صديقة أعرفها منذ زمن.
في نهاية اللقاء، وبعد أن تأكّدَت من عدم وجود أية أسئلة أُخرى لدي، فتحت ملفّها السّمين والمليء بالأوراق والاستمارات المرتّبَة بشكل جميل، وناولتني بطاقة صغيرة، “ثمّ نظرت إلي وقالت لي:” تفضّلي، هذا اسم مسؤولتي، وستجدين كل المعلومات التي تحتاجينها للتواصل معها بالشكل الذي يريحك.
“أنا: “ولكن لماذا، أتنتظر منّي أن أكلّمها؟
الاختصاصية: “لا، ولكن في حال لم يعجبك أسلوبي في التعامل معك، أو لم تكوني راضية عن أدائي، أو شعرتي أنّي لم أكن بمستوى توقّعاتك، أو حتى بكل بساطة لم “ترتاحي معي، فأرجوكي أن لا تترددي في التواصل معها، ولا تشعري  بأي حرج بأن تنتقديني فهذا حقك، وستعمل مسؤولتي على استبدالي بشخص أنسب.

بصراحة، لم يسعني إلاّ استذكار المرات العديدة التي كنت أجد فيها نفسي في وضع استفزازي مع موظف(ة) في بلادنا، أطلب منهم تفسير شيء ما ويتجاهلوني بكل بساطة،  أو يجيبوني على مضض وباستقطاب وكأني ارتكبت جريمة، أو يرمقوني بنظرة عتب واستهزاء لأن من العيب أن أسأل. كم من مرة شاهدت كبارا في السن، يجدون صعوبة في القراءة، يستفسرون عن شيء ويتم الرد عليهم بطريقة غير لائقة، كم من مرة شاهدت آباء وأمهات يطلبون رؤية المسؤول في مكان ما لأنهم لاقوا معاملة سيئة وخدمة رديئة، وتمّت إجابتهم ب: “أعلى ما في خيلك إركبه”، أو: “إيدك وما تطول”، أو: “يمّا خوّفتني”… وانتهى بهم الأمر إماّ بالرحيل دون رؤية المسؤول، أو بلقاء مسؤول ألعن وأسوأ من موظّفيه مستعد حتى للتهجم على كل من يجرؤ على تقديم شكوى. من المؤسف حقّا، أنّ بلادنا تعج بالكفاءات والأدمغة المتميزة، والموظفين الذين لا تنقصهم الثقافة العلمية ولا الخبرة العملية ولا السرعة في الأداء، ولكن كثير منهم يفتقر إلى أبسط مبادئ التعامل السوي المحترف مع العميل/الزبون/المريض/المُراجِع.  الالتزام بأخلاقيات المهنة والتفاني في العمل واحترام الطرف الآخر، كلّها عوامل مهمة وأساسية لتقديم خدمة رائعة بل ومثالية، وهذا ما يفصل عالمنا العربي عن الغرب، وهذا ما يعيق إدراجنا كدول تحت قائمة العالم الأول. ومع أنّني أعي تمام الوعي، أنّ ظروف العمل في بلداننا أغلبها مُحبِطة ولا تشجّع الموظفين على التفاني في عملهم، ولكن ليكن وعينا وغيرتنا على تقدّمنا هو المحرّك الأساسي، وليكن حرصنا على إتقان عملنا هو دافعنا الأوّل والأهم، وعندما يقوم الموظفون بتأدية واجباتهم على أكمل وجه، وفي كل المجالات مهما كانت، فلابد أن يجني المجتمع بأكمله ثمار النجاح الذي سيؤدي إلى المردود المادي المبتغى، والأجواء الوظيفية المطموح إليها.

%d8%b4%d9%83%d9%88%d9%89

Category: Arab Societies, Canada, General, Posts in Arabic | Comments Off on الشكاوي بين الشرق والغرب
October 6 2016

مشكلة مدارس الشويفات مع أكسفورد وكيف نتفاداها

oxfordقبل بضعة أيام وخلال تصفحي للفيسبوك قرأت الخبر المتعلق بسحب مدرسة الشويفات لكتاب اللغة الإنجليزية للصف التاسع لأنه وصف الفلسطينيين بالإرهابيين. وفي موقع آخر، أُشير إلى أن مدير مدرسة الشويفات في المملكة، لؤي الشوملي، سيقاضي أكسفورد التي أصدرت هذا الكتاب، لإساءتها للفلسطينيين بهذا الشكل. وهو التصرف الطبيعي في مثل هذه الحالة بالطبع: سحب المادة المسيئة، ومساءلة المسيء قانونيّا. ولكن استوقفتني هذه الجملة المعترضة للشوملي: “متمنيا أن لا يتم إخراج الموضوع عن سياقه باعتباره خطأ بشري يتعلق بعدم المراجعة والتدقيق على التعديلات التي يتم إجراؤها بشكل سنوي على المناهج لإضافة المعلومات والمهارات التربوية والعلمية إلى منهاج المدرسة.”

وفقا للشوملي، قامت أكسفورد بإجراء التعديلات دون إعلام وزارة التربية والتعليم ولا المسؤولين في مدارس الشويفات. إذا كان هذا الكلام صحيح، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا يتعامل الغرب معنا بهذه السلبية؟  ألا يحق للعربي أن يطّلع على أية تعديلات تمس كتبا يدفع ثمنها (يعني مو ببلاش)؟ لماذا نُعامَل وكأنه لا حق لنا في إبداء رأينا أو الاعتراض أو الموافقة على ما سيُدرّس لأبنائنا؟
والإجابة هي نحن أنفسنا، ثقتنا العمياء بأن كل ما هو مستورد من علم أو ثقافة سيكون خاليا من الأخطاء وأفضل من أي شيء عربي. ولامبالاتنا المُخزية من جهة أُخرى. لماذا أصفها باللامبالاة؟ اسمحوا لي أن أشرح لكم من خلال تجربة شخصية حدثت معي هنا في كندا.

قبل ما يقارب العامين، طلبتني وزارة التعليم في المقاطعة التي أسكن فيها لأقوم “بترجمة وتدقيق بعض المواد اللغوية، ويُشترط أن يكون المترجم متفرغا وأن يحضر عند الاتصال به” هذا ما كان واردا في البريد الإلكتروني، وطبعا، عند التعامل مع جهات حكومية في كندا، لا يتم إخبار المترجم بكل التفاصيل إلا وجها لوجه.  عند وصولي لمكتب المسؤولة، وبعد توقيعي على عدد لابأس به من الأوراق القانونية التي تضمن عدم تحيزي في الترجمة وتحفظي على تفاصيل ما سأطلع عليه، طلبت مني . المسؤولة أن أجلس، وقالت لي: “دقيقة وسأرجع لك بالمواد” . ذهبت، ورجعت بصحبة مساعدتها، وفي يدي كل منهما جبل من الملفات والكتب
صرفت مساعدتها من الغرفة، أخذت نفسا عميقا، وقالت لي: “أترين هذه الكتب والملفات؟ كلّها باللغة العربية، وهي كناية عن المقرر المدرسي للغة العربية ابتداءا من صف روضة أولى وحتى الصف التاسع الأساسي. هذا المقرر سيتم تدريسه في أغلب المدارس العربية والإسلامية الخاصة في أونتاريو، سواء  كانت تلك المدارس التي تُدَرِّس دواما كاملا، أو التي تُدَرِّس يوما واحدا في نهاية الأسبوع. وبما أن الكمية كبيرة والوقت قصير، ولأني أريد مترجما واحدا فقط أن يقوم بهذه المهمة، فسأطلب منك أن تأتي كل يوم لمدة 4 ساعات حتى تنتهي من كل هذه الموادّ. أريدك أن تقومي بالتدقيق اللغوي للنص، ومن ثم سأطلب منك ترجمة النص، ترجمة شفهية فورية، وسأقوم بتسجيل الترجمة كمرجع”.
“أنا: “ولكن أليس من الأسهل والأسرع أن أكتب هذه الترجمات؟
المسؤولة: “صحيح، ولكن أريد طرح أسئلة بناء على ترجمتك الشفهية، لتوضيح المعنى العام من المواضيع المطروحة. أي أريدك أن تقومي بتدقيق لمحتوى النص أيضا. فكما تعلمين، كندا بلاد تضم مختلف الثقافات والديانات والمعتقدات والتوجهات. ولا أريد لأي شخص يعيش هنا أن يتلقى أي معلومة قد تكون مقبولة في ثقافة بلاده الأصلية ولكنها تسيء أوتهدد حرية أي شخص ينتمي لثقافة أخرى”.

طبعا كان واحدا من أشد المشاريع إرهاقا، وأكثرها تطلّبا، ولأنها مسؤولية كبيرة فقد كنت تحت ضغط نفسي كبير، ولكن كان من أكثر المشاريع إثارة.
احترمت حرصهم على بلادهم وقيمها، احترمت الجهد الجبار الذي يبذلونه في سبيل توضيح كل شيء، مع أن عقلي العربي ثار ضمنا واتهمهم بالعنصرية في البداية، ولكن عندما فرغت من العمل ووجدت أنهم لم يعترضوا على الحجاب في الصور، ولا على صور المصلين والجوامع ولا على المواضيع المطروحة لأنها لا تهدد حرياتهم ولا تؤثر  على قيمهم، فقد زاد احترامي لهم وزاد إعجابي برقابتهم المتفتحة البعيدة عن التحيز.

لم يهمهم أنّ من قام بإعداد ومراجعة هذه الكتب هم مجموعة من اللغويين والتربويين من داخل كندا، ولم يهمهم أنّ هذه الكتب  لن تُدّرَس في المدارس الحكومية أو الخاصة الكندية بل ستقتصرعلى بعض المدارس العربية والإسلامية، لم يهمهم أن المقرّر يتم تدريسه منذ سنوات في مقاطعات أُخرى في كندا، لم يهمهم أنهم لا يفهمون كلمة واحدة أو حرفا واحدا من أي كتاب أو ملف، بل جاءوا بأهل الاختصاص، واستثمروا وقتهم ومالهم في سبيل تفادي أي إساءات أو مشاكل هم في غنى عنها.
ولهذا أوجّه كلمة لوزارات التربية والتعليم ومسؤولي المدارس في شتّى الدول العربية بأن يحتذوا بكندا في هذا الموضوع تحديدا، وأن لا يثقوا ثقة عمياء فيما يصلهم من غيرهم.

لا يوجد أجمل من التبادل الثقافي شرط أن يكون هذا التبادل واع ومسؤول وأن يكون لنا رأي واضح قوي وصريح في كل ما نستورد. لدينا العديد من الكفاءات العربية التي يمكن أن تُستثمَر في تدقيق ومراجعة ومراقبة الكتب الصادرة من الغرب قبل تداولها، سواء أعلمتنا الجهة المُصدِرة بتعديلات أم لم تعلِم، ليكن قانونا نلتزم به بأن ندقق في كل الأحوال. بهذه الطريقة يحسب لنا الغرب ألف حساب ويعي أن العرب ليسوا متلقين فقط، بل هم مفكرون وواعون ومهتمون بالمحافظة على تاريخهم ومعتقداتهم ومبادئهم السياسية والأخلاقية والاجتماعية.

Category: Arab Societies, Canada, Jordan, Media, International, Posts in Arabic | Comments Off on مشكلة مدارس الشويفات مع أكسفورد وكيف نتفاداها
February 27 2016

نواب برلمان كندا العرب ومهزلة التصويت ضد حركة البي دي إس

 سبق وعبّرت عن استيائي وحزني الشديدين بخصوص نتيجة تصويت البرلمان الكندي الذي تم يوم الإثنين السابق. التصويت تداول حركة البي دي إس الفلسطينية، وهي حركة سلمية تهدف إلى التوعية بآثار الاحتلال الإسرائيلي وجرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني، مطالِبةً دول العالم بمقاطعة وسحب الاستثمارات من إسرائيل وفرض العقوبات عليها، إلى أن تطبِّق القانون الدولي وتحترم حقوق الفلسطينيين وتكف عن انتهاكاتها المتكررة والمستمرة ضد الشعب الفلسطيني، إضافة إلى إعطاء اللاجئين الفلسطينيين حقهم في العودة.
طبعا لن تحظى أي حركة بأي انتباه إلا إذا كانت جهودها ناجعة، وبالفعل آتت جهود الحركة أكلها وانضم إليها العديد، من مختلف الديانات، بمافي ذلك بعض اليهود، ومن مختلف الجنسيات، التي تضمنت حتى بعض الإسرائيليين. ومن هنا بدأت جهود إسرائيلية مضادة وحثيثة بالتصدي للحركة ومحاولة وقفها بشكل رسمي وقانوني، وليس هذا فقط، بل ومعاقبة كل من ينضم لها أو يدعمها أو يجَرِّم إسرائيل أو يحاول تعريتها، في وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي أو أي شكل من الأشكال.

وكانت الحكومة البريطانية أول من طبّق هذا القرار بمنع الحركة ومعاقبة كل من كان معها، وبعد أسبوعين، الإثنين الماضي، باشرت حكومة كندا في التصويت إماّ مع منع الحركة ومعاقبة من يدعمها و/أو يسيء إلى إسرائيل، أو التصويت ضد منع الحركة وضد معاقبة من يدعمها و/أو يسيء إلى إسرائيل.

المتابع منكم للموضوع بات يعلم أنّ التصويت النهائي كان لصالح إسرائيل ، وأنّ الحزب الليبيرالي الحاكم وحزب المحافظين (الذي كان وراء طرح القرار بمنع الحركة)  صوّتا لصالح إسرائيل، وأنّ كلاّ من الحزب الديمقراطي الجديد وحزب الكتلة الكيبيكية صوّتا ضد المنع ولصالح حركة البي دي إس، على أساس احترام الديمقراطية وحرية التعبير في كندا.
بدافع الفضول ومن باب العلم بالشيء أردت معرفة ما صوتت به نائبة منطقتي وهي من أصول أجنبية، وعرفت أنها قامت بالامتناع عن التصويت، لم أفرح بهذا ولكن أقدّر أنّ لشخص كبر وترعرع على ما يتشرّبه من الإعلام المنحاز لإسرائيل بأن لا يصوّت لصالح إسرائيل ويمتنع هي خطوة إيجابية نوعا ما  وإن لم تكن الصحيحة، ولكن الصدمة التي كنت وبكل صراحة لا أتوقعها، وعلمت بها قبل يومين إثنين فقط من خلال قراءتي لمقال، هي أنّ نائبين مسلمين صوّتا لصالح إسرائيل، نعم، صوّتا ضد حركة البي دي إس، وأنّ  باقي النواب المسلمين، بما في ذلك نائبين عربيّين ، إمّا تهرّبوا من التصويت بالتغيّب وعدم الحضور، أو حضروا وامتنعوا عن التصويت. لكم أن تتخيّلوا فاجعة الجالية العربية والمسلمة والعار الذي نحس به من هذه الحقيقة المرّة. لم أفكّر للحظة بأن أتأكّد من تصويتات النواب العرب أو المسلمين، اعتقدت أن تصويتهم لصالح الحركة أمر مسلّم به، لأكتشف أنّ كل التصويتات المساندة للحركة، وإن كانت غالبيتها نابعة عن دعم حرية التعبير وليست بالضرورة معادية لإسرائيل، كلها أجنبية، لا عربية، ولا مسلمة. وأنّ من تجري في عروقه نفس دماء ذالك الشعب الذي يعاني الأمرّين من الاحتلال، لم يأبه إلاّ بمنصبه، وخاف من سخط مُوالين إسرائيل.

أنا أعي تماما أنّ السياسة لعبة خطرة ومعقّدة، وأنّ الكلام سهل والفعل صعب، ولكن “يا عمّي إزا مش قدّ الشغلة ليش تدخلوها من أساسه؟”. لتعلموا أنّ الجالية انتخبتكم لتمثّلوها وتكونوا همزة الوصل بينها وبين البرلمان والحكومة، أنتم صوتها، تصويت مثل هذا ليس شيئاً شخصيا يخصكم، هذا صوتنا نحن، وعلى حد علمي، ليس هناك عربي واحد، لا مسلم ولا مسيحي، أيا كان أصله،  فرح بالاحتلال، أو يكره أن يعبّر عن رأيه بحرية دون عقوبات. يعني حتى لو لم تكن لديكم الجرأة بالدفاع عن القضية الفلسطينية من حيث المبدأ، وخفتم من إسرائيل _ مع أنّ هذا عار_ ولكن أضعف الإيمان أن تصوّتوا لصالح الحركة مثل الأجانب، من باب حماية حرية التعبير… أمّا لا قضيّة ولا مبدأ ووجودكم وعدمه واحد “طب لشو انتخبناكم بالله؟” بجد أعجز عن وصف مشاعري، هذا وأنا قد انتظرت يومين كاملين لأهدأ بعد قراءتي للمقال، لأنني لو كتبت لحظتها لأسأت الأدب بكل تأكيد.
وأسألكم، بالله عليكم، أبنفس السلبية ستتصرّفوا لو جاءكم أحد أفراد عائلتكم يشتكي، من اعتداء أحدهم عليه، هل ستسكت وتقول لابنك/بنتك/ أو قريبك، “معلش اسكت هذا ابن فلان لو مسح بأهلك الأرض بطلعله؟ “… لأنّ هذا بالضبط ما فعلتموه بسلبيتكم وخوفكم، سمحتم بأن يمارس الاحتلال انتهاكاته لفلسطين دون أي إدانة، فشكرا لحضراتكم، أنا اليوم ككنديّة لا يمكني أن أنتقد أو أُدين أو أتلفّظ بكلمة واحدة ضد إسرائيل، لا في كندا، ولا في أي مكان في العالم. شكرا جزيلا لكم.

أتمنّى أن تتعلّموا الشجاعة من الأجانب، أو من طلاّب الجامعات صغار السن، لم يهمهم ضغوطات أو تهديدات أو إهانات ووقفوا مع الحق والصح. أو تعلّموا من إسرائيلكم، كيف تدعم الجالية أبناءها، وكيف يفزع أصحاب الدين لإخوانهم.
وعليه العوض ومنّه العوض…

وهذا مقال أكثر من رائع وعن نفس الموضوع، بقلم الزميل حسين يونس: هنيئا لإسرائيل بكم

Category: Arab Societies, Canada, Palestine, Posts in Arabic | Comments Off on نواب برلمان كندا العرب ومهزلة التصويت ضد حركة البي دي إس
September 17 2014

المرأة وسباق الأرقام والتواريخ

             لفت انتباهي إعلان لشركة دوف جاءت فيه معلومة تقول: واحدة من أصل كل 10 نساء تفخر بالإفصاح عن عمرها الحقيقي، ويهدف الإعلان إلى تحميس النساء وتشجيعهن على الاحتفال بكل الأعماربدلا من الشعور بالحرج.

ففكّرت بالموضوع، لماذا تحاول المرأة دوما إخفاء عمرها؟ وتغضب عندما يسألها أحد عن سنها؟ والجواب طبعا معروف وبديهي: لأنها لا تريد الاعتراف بتقدّمها بالسن… ولكن لماذا يا ترى؟ الجواب أيضا بديهي، لأنها تربت على الخوف من الكبر، ولأن مجتمعها ربط أهميتها وكيانها ووجودها كله بالأرقام،  وحدّد “تاريخ صلاحية” لكل مرحلة من مراحل كينونتها،  فبدلا من أن يدفعها المجتمع للإنجاز، صار يخيفها من كل دقيقة تمر، من كل يوم يمضي، من كل شهر يدخل، ومن كل سنة تنتهي قبل أن تنفذ ما هو مُتوقّع منها. فلكل وقت رقم، ولكل رقم كنية، ولكل كنية أهمية في تحديد ما إذا كانت هذه الفتاة تستحق الحياة أم لا، ما إذا كانت أهلا للإعجاب أم لا… والأسوأ ما إذا كانت تستحق أن تسمّى أنثى أم لا.

ففي الصغر، البنت أميرة، صديقة أمها، دلّوعة والدها والعائلة بأكملها، ويل لمن يحزنها، وويلات لمن يمد يده عليها، هي تطلب فتُلَبّى، تأمر فتُطاع؛ بعدها تصبح صبية ، شابة فتية، ومن هنا تبدأ التسميات والتعريفات ومن هنا يبدأ سباق الأرقام والتواريخ، فالسنتيمترات تحدد أنّ هذه طويلة وهذه قصيرة، والكيلوغرامات تجزم ما إذا كانت هذه رشيقة أوبدينة، وتكبر أكثر فأكثر، وتزداد الأرقام تحكمّا في روحها ووجودها وتوجهاتها وكل حياتها، ولا تعرف مخرجا من السباق على متن “القطار”، القطار الذي طالما سمعت عنه، والذي هو هاجس من حولها.

فهي تعرف كل محطاته، والمحظوظة تكون قد تلقت دروسا كافية للّحاق ب”القطار” في وقته. فكل بنت تعرف أنها لو لم تلقى شريك حياتها في فترة معينة، فإن القطار سيفوتها، كما تعلم كل فتاة أنها لو التقته وارتبطت به ولم تتزوجه خلال مدة معينة، فإن القطار سيفوتها، وإن تزوجته ولم تنجب منه سريعا، فسيفوتها القطار أيضا، وإن أنجبت بنتا لا ولدا، فعليها أن تحاول وتحاول في أسرع وقت أن تنجب الذكر، كي لا يفوتها القطار… إن تطلقت فهي على وشك تفويت القطار، إن تطلقت ومعها أولاد، فقد فاتها القطار، إن ترملت فهي مشكلة، إن ترملت مع أطفال فهي مصيبة لأن القطار حتما فاتها… إن  لوحظت شيبات شعرها فهي كارثة، فقد فاتتها كل القطارات، إن تجعدت بشرتها فهي مأساة تذكّر من يراها بأنها “خلص، راحت عليها”. فللوظيفة مدة صلاحية، وللزواج مدة صلاحية، وللإنجاب مدة صلاحية، وللجمال مدةصلاحية، ويل لمن تحاول أن تفكر حتى في تحقيق شئ انتهت صلاحيته، وعار على من تفصح عن هذه الأرقام التي تكشف صلاحيتها، ولكن مسموح لكل من التزمت بتاريخ الصلاحية أن تفتخر ب”إنجازاتها”، ب”شطارتها”، متناسية أن كل شئ في الدنيا نصيب، وكل شئ في الدنيا رزق مقسوم. وأن أي نجاح على أي صعيد هو من ناحية مجهود شخصي ومن ناحية أخرى رزق أو حظ، وأن محيطك يلعب دور كبير في تحديد هويتك شئت أم أبيت، لذلك أرجو كل المجنمعات الذكورية (وليست هي العربية فقط) بأن يعدلوا تجاه نصف مجتمعهم، بأن يشجعوها على الاستمرار والإنجاز والنجاح بعيدا عن أية أرقام، أو تواريخ، أو أعداد. دعوا المرأة تنطلق وتعكس جمالها الداخلي على مجتمعاتنا، سواء كانت طفلة أو شابة أو عجوز،  إن كانت عزباء أو متزوجة أو مطلقة أو أرملة ، سواء كانت  أم أو جدة، فالأنثى هي الأنثى، مهما اختلفت التسميات ومهما كان الرقم.،