December 17

اليوم العالمي للغة العربية: معضلة تعليم العربية لأبنائنا في الغرب

بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، قرّرت أن أشارككم تجربتي الخاصة وتوجّهاتي، علّ فيها إفادة لمن هم في نفس وضعي.
أنا  فخورة بعروبتي، أتجنب استخدام اللغات الأجنبية قدر المستطاع عند مخاطبة غيري من العرب، وأبذل كل ما بوسعي لأعلّم ولديّ لغتنا الجميلة، البليغة، التي هي باعتقادي أجمل اللغات وأكثرها تعبيرا على الإطلاق. وأنا لا أطمح إلى أن يتقن ولداي لغتنا فقط، بل طموحي هو أن يغرموا بها ويعشقوها، لأنني على ثقة بأنّ حب اللغة هو المحرك الأوّل والأساسي لحب استخدامها، والسعي لاستخدامها هو ما سيؤدي إلى خلق الرغبة في إتقانها.
ولكن لن أكذب وأدّعي أنّني ناجحة في هذه المهمّة، ليس حاليّا على الأقل، فإبني الأكبر يبلغ من العمر عشر سنوات، يتكلم العربية بشكل ضعيف، لا يتقن القواعد واللفظ كما يجب. أمأّ الصغير، فيبلغ العامين، ولايزال طريقه طويل 🙂
ابني الأكبر ولد في بلد عربي، وعندما بلغ حوالي الثلاث سنوات كان قد بدأ في تكلم العربية بشكل بسيط، انتقلنا عندها للعيش في بلد عربي لاتتوفر فيه للمقيمين إلا المدارس الخاصة، التي يعتمد أغلبها على اللغة الإنجليزية بشكل أساسي. كان كل أصحابه، حتى العرب منهم، يتحدثون بالإنجليزية، وسرعان ما بدأ يرفض اللغة العربية، حتى وإن كلّمته بالعربية أجابني بالإنجليزية. بدأ بتفضيل برامج التلفاز والكتب الإنجليزية، ورغم إصراري على القراءة العربية والبرامج والإذاعة العربية، لم يساعدني المحيط، فكان الكل يستسهل الإنجليزية.
عندما انتقلنا إلى كندا كان يبلغ الأربع سنوات، ودون أن أحس، أصبحت لغته الأولى هي الإنجليزية.
وهنا أودّ أن أوضح معلومة هامة وأساسية، لمن لا يعرفها: هناك فرق بين اللغة الأم للطفل، ولغته الأولى. اللغة الأم هي اللغة الموروثة من الأبوين، ولكن اللغة الأولى هي اللغة التي يتقنها الطفل في كل المجالات، وهي اللغة التي يفضل استخدامها ويرتاح في التعبير بها. عادة تكون اللغة الأم هي اللغة الأولى، ولكن في الكثير من الحالات نجد أن اللغة الأولى المكتسبة من المجتمع وثقافة البلد التي يعيش فيها الطفل طغت على اللغة الأم، لصعوبة الأخيرة أو لعدم توفر المصادر التعليمية أو البيئة التي تُمارَس فيها اللغة الأم.
مع كل أسف، المصادر التعليمية العربية إمّا مملة، أو معقّدة، أو لا تتماشى مع توجهات الأطفال في هذا العصر. وباتت عملية تعليم لغتنا عملية صعبة ومُحبطة. ومع أنني غير راضية عن عربية ابني الحالية، ولكن مستواه بالمقارنة مع غيره من أبناء الجالية يعد  جيدا جدا. ولن أكلّ ولن أمل حتى يتحدثها بطلاقة إن شاء الله.
ينعتني ابني الأكبر بمهووسة العربية، وبدأ من شدة إصراري، وليس من ضغطي عليه، بدأ بإعطاء العربية فرصة أخرى، وأنا متفائلة بأنه سيغرم بها عاجلا، وإليكم :اقتراحاتي  ونصائحي

كيف أعلّم أبنائي العربية في بلد غير عربي؟
التعليم المنزلي، من خلال كتب تعليمية تعتمد المناهج المُدَرّسَة في الدول العربية، أو تلك المعتمدة في الدول الأجنبية والمُخصّصة لأبناء الجالية العربية في المهجر أو لغير الناطقين بالعربية كلغة أولى، وأنا شخصيا أفضل الأخيرة لسلاستها ولأنها تأخذ بعين الاعتبارالعقبات والعوامل المؤثرة في تعليم اللغة في الخارج. هناك أيضا عديد من التطبيقات  والبرامج التي يمكن للأهل الاشتراك بها واستخدامها على الحاسوب، الهاتف الذكي أو غيرها من الإلكترونيات

التعليم في المدارس العربية الخاصة، إن وُجدت. في كندا توجد هذه المدارس وتوفّر إما دواما كاملا خلال أيام السبوع، ولكن أقساطها غالية، وتوجد المدارس الخاصة التي تقدم دروسا في أحد أيام نهاية الأسبوع لبضع ساعات، وتكون أقساطها أرخص بكثير من الأولى.  المشكلة الوحيدة في المدارس  هي أنّ المدرسين العرب لا يزالوا يدرّسون بنفس عقلية البلاد العربية: الحفظ، ويركّزون عليه أكثر من الفهم، ويتبعون أساليب الضغط والعقاب مما يؤدي إلى نتيجة عكسية في العديد من الحالات. وبالتالي “إنت وحظك”، إما أن تحظى بمدرّس يعرف كيف يستقطب الطلاب بأسلوب يحاكي أساليب التعليم في مدارسهم الحكومية الأجنبية، وإما أن يفرض اللغة فرضا بأسلوب عنيف وينفّر الطلاب ويُفقدهم الرغبة في التعليم.

التعليم من خلال حصص نهاية الأسبوع التابعة للحكومة الكندية، وهذه هي أرخص الخيارات، حيث يدفع الأهل مبلغ رمزي لا يتعدى ال 35 دولارا كنديا للسنة الدراسية، ولكن عيبه أنّه لا يتبع منهجا معينا ويجمع أكثر من مستوى لغوي في نفس الفصل، وبالتالي يعد ضعيفا نوعا ما بالمقارنة مع المدارس التي سبق وذكرتها.

التعليم من خلال الجوامع، والعديد من الجوامع تقدّم دروسا في اللغة العربية لغير المسلمين، ويكون المبلغ أيضا رمزيا.

التعليم عن طريق دروس خصوصية، وتكون هذه عادة الأكثر نفعا، لقلة عدد التلاميذ في المجموعة، وإمكانية ترتيب دروس خاصة للطفل وحده. ولكن عادة تكون هذه الدروس مكلفة بعض الشيء. على الأهل اختيار المعلم(ة) المناسب(ة):  توفّر الخبرة، والراحة في التعامل.

التعليم عن طريق معاهد لغوية خاصة، وقد تكون هذه المعاهد مكلفة أيضا ولكنها تعد من الخيارات الممتازة، على أن يختار الأهل المعهد بعد تدقيق في طريقة التعليم والمناهج المتّبعة.

كيف أزرع حب اللغة العربية في أبنائي؟
القراءة ثم القراءة ثم القراءة. وإن كنت تقطن في كندا أو حتى أمريكا، فأنا أنصح بشراء الكتب والقصص العربية من لغتي.كوم، أنا شخصيا تعاملت معهم وكانت تجربتي رائعة. لديهم تشكيلة رائعة بحسب عمر الطفل والموضوع المطروح. الأسعار مقبولة والتوصيل سريع دون أية مشاكل.
كما يمكنكم استعارة الكتب العربية من المكتبات العامة، نعم، فالعديد من العرب يتبرعون بكتبهم القديمة ليستفيد منها الغير، خصوصا العرب الذين كبر أبناؤهم، أو الذين قرروا مغادرة كندا. ستدهشون من كمية الكتب القيمة المتوفرة للاستعارة، ولكن طبعا يعتمد الموضوع على المقاطعة التي تسكنها وكمية الجالية العربية هناك.

كيف أنمّي لغتهم وأطوّرها؟
بالممارسة. وهنا تكمن المشكلة الأساسية. فالممارسة تكون عادة في المنزل، ولكن ما لاحظته هو أنّ الأبوين يختلفان في المهجر في تصنيفهم للأولويات اللغوية، وغالبا ما نجد أحد الأبوين غير مهتم بالعربية نهائيا، ومن هنا تبدأ معاناة الطرف الآخر. لذا، لبيئة تعليمية مثالية، على الأبوين أن يتفقا، وإن كان هناك أكثر من طفل فعلى الكبار مساعدة الآباء في تلقين اللغة للصغار. ولكن مع الأسف اغلب بيوتنا العربية تعاني من الاختلاف في الرأي، ويجد أحد الأبوين نفسه عاجزا عن “ترويض” أفراد الأسرة الآخرين، وهنا أودّ أن أؤكد على عدم الاستسلام ومواجهة الصعوبات والتحديات. ستأخذ العملية وقتا مضاعفا ولكنك ستنجح في النهاية، فتابع وثابر ولا تمل.

الممارسة تتضمن أيضا التلفاز والإذاعة وأقراص الأغاني المخصصة للأطفال، وأنا شخصيا لجأت لسناء المعشّر، وأعتقد أن جميع الأطفال سيعجبوا بأغانيها وسلاسة كلماتها.
إذا كانت هناك إمكانية التعرف على أصدقاء عرب، فهذا سيتيح لأبنائكم فرصة ممارسة اللغة. كما أنّ الطفل الذي يمضي وقتا في صغره عند فرد من أفراد العائلة بدلا من دور الحضانة ورياض الأطفال، يتعلّم العربية بشكل أفضل ويتمكن منها قبل الذهاب إلى المدرسة وعندها تسهل عملية الحفاظ على لغته التي اكتسبها من العائلة ولا يُخشى عليه من التحول إلى الإنجليزية قلبا وقالبا.

في النهاية، أود أن أشدد على أهمية ترغيب الأطفال باللغة وتعليمهم بصبر وبطريقة ممتعة من دون ضغط. وأشدد أيضا على أهمية المتابعة والاستمرارية وعدم الاستسلام مهما كانت الظروف. فلا تفقدوا الأمل.
صحيح أنّ التعليم في الصغر هو الأنجع، ولكن ليس هناك شيء اسمه متأخر، لكل عائلة ظرفها الخاص، ولكل طفل إمكانياته، لا تقارنوا واعملوا بجد، إن لم يتعلم ابنكم العربية في صغره، بإمكانه تعلمها في وقت لاحق، المهم لا تستسلموا يا أهالي العرب. 🙂

December 17

اليوم العالمي للّغة العربية: العرب في الغرب بين مؤيّد ومُعارض

واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الجالية العربية في الغرب هي المحافظة على اللغة العربية كجزء لا يتجزأ من هويتهم.  فنرى العديد من أبناء الجالية العربية، وليس الأغلبية على كل حال،  يتشبثون بلغتهم، باذلين كل ما يملكون من وقت ومال ومعرفة في توريث هذه اللغة لأبنائهم، طارقين كل الأبواب المتاحة ليضمنوا إتقان أبنائهم للعربية قراءة وكتابة ومخاطبة.

في نفس الوقت، نرى عددا لا بأس به من العرب ممّن لا يهمّه إن كان أبناؤهم يتقنون العربية أو يستخدمونها بشكل يومي أو حتى جزئي في المنزل، كل ما يهمهم أن يكون باستطاعة أبنائهم أن “يفكّوا” الخط، على حد تعبيرهم، وأن “يُسلّكوا حالهم” عند مخاطبة العائلة على ال”تشات” أو على الهاتف، أو عند زيارة بلادهم خلال العطلة الصيفية. وغالبا ما يحادثك هؤلاء بلغة البلد التي يقطنوها، وقد يتخلل حوارهم بعض الكلمات العربية العامية، لأنهم يؤمنون بأن اللغة العربية هي شيء ثانوي، متأخّر ولا يعكس تفتّح أو ثقافة المتحدث. لذا حتى وإن حاولت أن تدير دفّة الحديث إلى العربية، يزداد تصميمهم أكثر فأكثر على اللغة الأجنبية، التي يصاحبها عادة نظرات ازدرائية لك ولعربيتك “المتحجرة”. وغالبا ما يصل الحوار إلى نقطة ميؤوس منها يتطلّب من أحد الطرفين أن ينهي هذا الحوار الغير متكافئ، وحبّذا أن يكون المبادر أنت، عربي اللسان حفاظا على ماء وجهك.

أمّا الفريق الثالث من العرب ، فهو متنصّل من كل ما يخص هويته وثقافته العربية، يمقت أصله، يكره لسانه، ويسعى بشتى الطرق إلى مسح ماضيه ومعالمه وخلق هوية جديدة لاتعترف بالعروبة لا من قريب ولا من بعيد. وهذه الفئة من الناس تصل إلى حد تغيير اسمها العربي وتبني إسم أجنبي “كول” يتماشى مع الهوية الجديدة، وتختار للأبناء أسماءا بعيدة كل البعد عن العربية. وإن كان الأبناء حضروا للغرب وهم يتكلّمون العربية، تلقاهم ينهرونهم عن استخدام لغتهم الأم، وكأنّها عيب، أو علامة تدل على التخلف والإرهاب والبربرية.  وعادة ما يتجنّب هؤلاء مخالطة الجالية العربية، ويكفي أن يشكّوا أنك عربي من ملامحك ليتجاهلوك ويقطعوا أي طريق قد تؤدي إلى حوار مشترك.

لغتنا، مع كل أسف، باتت مقترنة بالإرهاب، وصارت ذريعة للعنصريّين لإذلالنا واتّهامنا، ومن هنا ، أصبح العديد من العرب يتخوّفون من استخدامها في الغرب تجنبا للمشاكل والتعقيدات، ولكن هذا ليس مبرّرا، فعلى العكس تماما، إذا أردنا محاربة العنصرية علينا الدفاع عن براءة لغتنا من التهم المنسوبة إليها، ولا أقوى دفاع من الممارسة والانتشار. فبدلا من أن توبّخوا أبناءكم وتنهروهم عند استخدامهم للعربية، أنظروا إلى غير العرب الذين أُغرموا بلغتنا وأتقنوها أكثر منا. تعلموها وهم كبار، أحبوها وصار منهم من يقرأ لمحمود درويش وأحمد شوقي ونزار قباني، ومنهم من تخصص في الأدب العربي المعاصروصار يدرّسه، نعم، تخيّلوا؟ هذا في الوقت الذي ينفّر العرب أبناءهم من لغتنا وموروثاتها الأدبية والأعمال التي لن يرى أحد مثيلا لها في البلاغة والفصاحة.