October 6 2016

مشكلة مدارس الشويفات مع أكسفورد وكيف نتفاداها

oxfordقبل بضعة أيام وخلال تصفحي للفيسبوك قرأت الخبر المتعلق بسحب مدرسة الشويفات لكتاب اللغة الإنجليزية للصف التاسع لأنه وصف الفلسطينيين بالإرهابيين. وفي موقع آخر، أُشير إلى أن مدير مدرسة الشويفات في المملكة، لؤي الشوملي، سيقاضي أكسفورد التي أصدرت هذا الكتاب، لإساءتها للفلسطينيين بهذا الشكل. وهو التصرف الطبيعي في مثل هذه الحالة بالطبع: سحب المادة المسيئة، ومساءلة المسيء قانونيّا. ولكن استوقفتني هذه الجملة المعترضة للشوملي: “متمنيا أن لا يتم إخراج الموضوع عن سياقه باعتباره خطأ بشري يتعلق بعدم المراجعة والتدقيق على التعديلات التي يتم إجراؤها بشكل سنوي على المناهج لإضافة المعلومات والمهارات التربوية والعلمية إلى منهاج المدرسة.”

وفقا للشوملي، قامت أكسفورد بإجراء التعديلات دون إعلام وزارة التربية والتعليم ولا المسؤولين في مدارس الشويفات. إذا كان هذا الكلام صحيح، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا يتعامل الغرب معنا بهذه السلبية؟  ألا يحق للعربي أن يطّلع على أية تعديلات تمس كتبا يدفع ثمنها (يعني مو ببلاش)؟ لماذا نُعامَل وكأنه لا حق لنا في إبداء رأينا أو الاعتراض أو الموافقة على ما سيُدرّس لأبنائنا؟
والإجابة هي نحن أنفسنا، ثقتنا العمياء بأن كل ما هو مستورد من علم أو ثقافة سيكون خاليا من الأخطاء وأفضل من أي شيء عربي. ولامبالاتنا المُخزية من جهة أُخرى. لماذا أصفها باللامبالاة؟ اسمحوا لي أن أشرح لكم من خلال تجربة شخصية حدثت معي هنا في كندا.

قبل ما يقارب العامين، طلبتني وزارة التعليم في المقاطعة التي أسكن فيها لأقوم “بترجمة وتدقيق بعض المواد اللغوية، ويُشترط أن يكون المترجم متفرغا وأن يحضر عند الاتصال به” هذا ما كان واردا في البريد الإلكتروني، وطبعا، عند التعامل مع جهات حكومية في كندا، لا يتم إخبار المترجم بكل التفاصيل إلا وجها لوجه.  عند وصولي لمكتب المسؤولة، وبعد توقيعي على عدد لابأس به من الأوراق القانونية التي تضمن عدم تحيزي في الترجمة وتحفظي على تفاصيل ما سأطلع عليه، طلبت مني . المسؤولة أن أجلس، وقالت لي: “دقيقة وسأرجع لك بالمواد” . ذهبت، ورجعت بصحبة مساعدتها، وفي يدي كل منهما جبل من الملفات والكتب
صرفت مساعدتها من الغرفة، أخذت نفسا عميقا، وقالت لي: “أترين هذه الكتب والملفات؟ كلّها باللغة العربية، وهي كناية عن المقرر المدرسي للغة العربية ابتداءا من صف روضة أولى وحتى الصف التاسع الأساسي. هذا المقرر سيتم تدريسه في أغلب المدارس العربية والإسلامية الخاصة في أونتاريو، سواء  كانت تلك المدارس التي تُدَرِّس دواما كاملا، أو التي تُدَرِّس يوما واحدا في نهاية الأسبوع. وبما أن الكمية كبيرة والوقت قصير، ولأني أريد مترجما واحدا فقط أن يقوم بهذه المهمة، فسأطلب منك أن تأتي كل يوم لمدة 4 ساعات حتى تنتهي من كل هذه الموادّ. أريدك أن تقومي بالتدقيق اللغوي للنص، ومن ثم سأطلب منك ترجمة النص، ترجمة شفهية فورية، وسأقوم بتسجيل الترجمة كمرجع”.
“أنا: “ولكن أليس من الأسهل والأسرع أن أكتب هذه الترجمات؟
المسؤولة: “صحيح، ولكن أريد طرح أسئلة بناء على ترجمتك الشفهية، لتوضيح المعنى العام من المواضيع المطروحة. أي أريدك أن تقومي بتدقيق لمحتوى النص أيضا. فكما تعلمين، كندا بلاد تضم مختلف الثقافات والديانات والمعتقدات والتوجهات. ولا أريد لأي شخص يعيش هنا أن يتلقى أي معلومة قد تكون مقبولة في ثقافة بلاده الأصلية ولكنها تسيء أوتهدد حرية أي شخص ينتمي لثقافة أخرى”.

طبعا كان واحدا من أشد المشاريع إرهاقا، وأكثرها تطلّبا، ولأنها مسؤولية كبيرة فقد كنت تحت ضغط نفسي كبير، ولكن كان من أكثر المشاريع إثارة.
احترمت حرصهم على بلادهم وقيمها، احترمت الجهد الجبار الذي يبذلونه في سبيل توضيح كل شيء، مع أن عقلي العربي ثار ضمنا واتهمهم بالعنصرية في البداية، ولكن عندما فرغت من العمل ووجدت أنهم لم يعترضوا على الحجاب في الصور، ولا على صور المصلين والجوامع ولا على المواضيع المطروحة لأنها لا تهدد حرياتهم ولا تؤثر  على قيمهم، فقد زاد احترامي لهم وزاد إعجابي برقابتهم المتفتحة البعيدة عن التحيز.

لم يهمهم أنّ من قام بإعداد ومراجعة هذه الكتب هم مجموعة من اللغويين والتربويين من داخل كندا، ولم يهمهم أنّ هذه الكتب  لن تُدّرَس في المدارس الحكومية أو الخاصة الكندية بل ستقتصرعلى بعض المدارس العربية والإسلامية، لم يهمهم أن المقرّر يتم تدريسه منذ سنوات في مقاطعات أُخرى في كندا، لم يهمهم أنهم لا يفهمون كلمة واحدة أو حرفا واحدا من أي كتاب أو ملف، بل جاءوا بأهل الاختصاص، واستثمروا وقتهم ومالهم في سبيل تفادي أي إساءات أو مشاكل هم في غنى عنها.
ولهذا أوجّه كلمة لوزارات التربية والتعليم ومسؤولي المدارس في شتّى الدول العربية بأن يحتذوا بكندا في هذا الموضوع تحديدا، وأن لا يثقوا ثقة عمياء فيما يصلهم من غيرهم.

لا يوجد أجمل من التبادل الثقافي شرط أن يكون هذا التبادل واع ومسؤول وأن يكون لنا رأي واضح قوي وصريح في كل ما نستورد. لدينا العديد من الكفاءات العربية التي يمكن أن تُستثمَر في تدقيق ومراجعة ومراقبة الكتب الصادرة من الغرب قبل تداولها، سواء أعلمتنا الجهة المُصدِرة بتعديلات أم لم تعلِم، ليكن قانونا نلتزم به بأن ندقق في كل الأحوال. بهذه الطريقة يحسب لنا الغرب ألف حساب ويعي أن العرب ليسوا متلقين فقط، بل هم مفكرون وواعون ومهتمون بالمحافظة على تاريخهم ومعتقداتهم ومبادئهم السياسية والأخلاقية والاجتماعية.


Tags: , ,
Copyright 2017. All rights reserved.

Posted October 6, 2016 by Eman in category "Arab Societies", "Canada", "Jordan", "Media, International", "Posts in Arabic

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *