September 7 2012

نحنا والقمر جيران

الغربة؛ أصعب ما فيها أوّلها، لا يهم إن كنت تغترب عن أهلك أو بلدك أو ثقافتك أو حتى قارّتك، فالغربة من أي نوع صعبة، خاصة في أوّلها. بالطبع لا يستوي المغترب المجبور مع ذلك الذي اختار الغربة بنفسه، ولا يمكن مقارنة من يختلف عليه كل شيء مرة واحدة بذلك الذي اختلف عليه شيء واحد، ولكن بالنهاية، الفراغ على اختلاف درجاته يؤلم كل واحد بطريقة ما.

أوّل غربة لي كانت في أحضان الوطن العربي، تونس، أحببتها وأهلها الطيبين، ولكن كوني بشر لا أُنكر كم كانت أوّل فترة قاسية وصعبة. لم أترك طريقا إلاّ وسلكته لأشعر بأنّه لم يتغيّر علي شيء. ولكن، ومع إشراقة كل صباح، كان كل ما يحيط بي يذكّرني أني في مكان مختلف. رائحة الياسمين العطرة التي عشقتها وأدمنتها لاحقا، اللهجة التي كانت غريبة علي والتي كانت تُسمعني نفسها كلّما فتحت النافذة أو كلما خرجت من المنزل، الأصوات، العادات، الأكل، كل شيء كان جميل وله مذاق ورائحة مميزين، ولكن مختلفين عمّا تربيت عليه وتعودت عليه سنين عمري كلّه. كنت أشتاق لرائحة بلادي، شاي بلادي، قهوة بلادي، لهجتي، وجوه ناسي، أهلي، عمارات مدينتي حتى البالية منها، أشتهي أكلاتنا، تلك التي مهما حاولت صنعها في البيت، لن تضاهي طعمها التي تعودته عند شرائها من الشارع والمحلات الصغيرة. كنت أشتاق لكل شيء. لهذا كنت أفرح إذا ما سمعت شخصا من بلادي أو من نواحيها يتكلم في السوق، وأحاول أن أروي ظمئي بالمشي خلفهم للحظات معدودة لأملأ مخزون شوقي واشتياقي. لم يكن لدي حينها قنوات فضائية، ولم يكن لدي أصدقاء لا من بلدي الأم ولا من أمّي الثانية تونس. وفي يوم مشمس جميل، كنت أحس بالاختناق، لم أكن قد عثرت بعد على عمل، أحسست بفراغ فظيع وشوق أفظع، فقررت الذهاب إلى دكاّن الحارة (العطّار) لشراء بعض الاحتياجات المنزلية، كانت صاحبة الدكان حنونة جدا، تعلمني كل مرة مصطلح تونسي أو كلمة فرنسية، تطلعني على العادات والتقاليد  وتحاول جاهدة مساعدتي وكأنها تقربني. كان مشواري لها بمثابة متَنفّس. في ذلك اليوم ، وفيما كنت تائهة في ذكرياتي وإذا بي أسمع نغمات إحدى أحب أغنيات فيروز إلى قلبي:”نحنا والقمر جيران”، كان يغنيها شاب ما ويعزف ألحانها على غيتاره، في أحد المباني القريبة… لمستني الألحان وأحسست أني سافرت إلى عالمي وفرحت كثيرا كثيرا. وصلت لصاحبة الدكان، وبعدما دفعت الحساب سألتني عن وصفة “اللبنة” فأعطيتها إياها وقلت لها أنني سأذيقها منها في زيارتي القادمة، فقالت لي أنها لا تسأل لنفسها بل أن هناك شاب فلسطيني  جديد يظل يسألها عنها فوعدته أن تعطيه وصفة مضمونة لصنعها لأنها ليست متوفرة في الأسواق.

بعد أيام قليلة ذهبت إليها، كان الهدوء يلف كل الحي لا نغمات مألوفة ولا أغنيات عزيزة على القلب. وصلت للدكان وبعد انتهائي من الشراء شكرتني باسم الشاب لأنه جرب الوصفة وأعجبته وسأل هذه المرة عن وصفة الخبز، فأعطيتها إياها وتذمرت من طولها، فأعطيتها اسم المطعم الذي يمكنه بيع هذا الخبز ونبهتها أنه غالي بعض الشيء فشكرتني وذهبت. في طريقي للعودة سمعت دندنات تونسية هذه المرة، بنفس الصوت، نفس الشاب، على الغيتار أيضا، لا أذكر الأغنية، ولكن وقبل وصولي إلى المنزل بلحظات سمعته يغني “نحنا والقمر جيران”  مرة أُخرى، مع الأسف لم أستطع سماعها كلها ولكن أثلج صدري المقطع القصير الذي سمعته.

بعد يومين أو أكثر ذهبت للدكان، فشكرتني مرة ثانية، وقالت لي أن الشاب يحس بغربة شديدة ولكن هذه الوصفات تساعده على التأقلم وتوفر له مذاق أكلات بلاده، ثم قالت لي أنه جاءها يحمل كيس خبز بيد وغيتاره باليد الأُخرى، “وأذاقني بعض ‘خبزكم’ وكان لذيذا”، ثم أضافت: “أمّا موش كيما  خبزنا عاد”، فضحكنا معا، ورحلت.  وفي طريقي للبيت سمعته يدندن “أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي” فلم أستطع أن أمسك دموعي التي تهاطلت لسببين، أولهما أني كنت أعاني من نفس هذا الحنين، وثانيهما أنه لا يوجد لدي أو لدى أي شخص في العالم أي وصفة تعطيه نفس مذاق خبز أمه وقهوتها… ولكن وفي قرارة نفسي كنت سعيدة، فمع أنّي لم ألتق ذاك الشاب، ولم أر وجهه قط، ومع أنه لم يراني ولم يلتق بي قط فقد أسعدني دون أن يعلم بنغماته ودندناته ولو لدقائق معدودة وقرّب لي مكان كان بعيدا جدا؛ وبالمثل فقد ساعدته أنا ولو بقدر بسيط على إحضار جزء من عالمه الذي يسكن روحه إلى عالمه الذي يسكنه جسده.

صحيح أن الغربة بكل أنواعها صعبة، ولكن أؤمن بأنه على الإنسان أن يبحث عن أي شيء مهما كان بسيطا أو صغيرا ليدخل السرور إلى قلبه وقلب غيره  بطريقة بريئة نظيفة دون انتظار أي مقابل. فالغربة إمّا أن تخلق منك إنسانا مرهف الحس وتفجر فيك جوانب إنسانية لم تكن تدرك أنها بداخلك، أو أنها تحوّلك إلى وحش عديم الإحساس والشعور، حاول أن تكون من النوع الأول… وإلى كل مغترب يشعر بالحنين أهدي صوت فيروز وكلمات أغنيتها العذبة، اسمعوا المقدمة الجميلة فهي جدا معبّرة:

watch?v=nfHoMCbMdyo



Copyright 2017. All rights reserved.

Posted September 7, 2012 by Eman in category "Arab Societies", "Just Personal", "Posts in Arabic", "Tunisia

2 COMMENTS :

  1. By haitham on

    أن يبحث عن أي شيء مهما كان بسيطا أو صغيرا ليدخل السرور إلى قلبه وقلب غيره بطريقة بريئة نظيفة دون انتظار أي مقابل. فالغربة إمّا أن تخلق منك إنسانا مرهف الحس وتفجر فيك جوانب إنسانية لم تكن تدرك أنها بداخلك، أو أنها تحوّلك إلى وحش عديم الإحساس والشعور،

    these lines absolutely killed me!

    it is our 4th week in Scotland now, 1st time in Europe and I can literally sense every thought/line u said!

    sa3beh l 3’orbeh! more than I imagined :((

    ———-

    no Arabic keyboard, apologies

    Reply
  2. By Eman (Post author) on

    Haitham, allah ysahhel 3alik, you and your family. It’s sure difficult, it just needs some time, o inta adha 🙂
    good luck and try to enjoy it, il wa7ad ma be3raf wean iddinya betwaddeeh, today Scotland, you never know where’s the next station 🙂

    Reply

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *